لماذا كان البريطانيون يخافون المغرب؟

«عشرات اللقاءات الصحفية غير المسجلة إن لم نقل المئات. لا دليل على وجودها إلا كتابات في أرشيف الصحافة البريطانية والكتب. أليس ممكنا أن يلجأ هؤلاء الكتاب إلى الكذب والمبالغة في نقل الوقائع.. هكذا نسجت الأساطير حولنا، ليخافنا البريطانيون طيلة عقود».
سر عقود من الأحداث غير الموثقة في الأرشيف!
لم يكن الراحل عبد الهادي التازي، يتضايق عندما تُعرض عليه وثائق كانت إلى وقت قريب تدخل في إطار السرية الدبلوماسية للعلاقات البريطانية مع المغرب، مهما بلغ قدمها التاريخي. كان يعتبر الأمر ملحا ضروريا لهضم أكلة عسيرة على الهضم، اسمها الروايات التاريخية.
والسبب ليس اتساع صدر الرجل للانتقاد، ولكن لأنه كان يدرك، وهو ما يمكن فهمه من مواقفه وكتاباته، أكثر من الجميع أن الرغبة في معرفة الوقائع التاريخية تتطلب تقبل الروايات كلها ووضعها للمقارنة والدراسة.
مبالغات كثيرة شابت كتبا كثيرة ألفت حول المغرب، منذ بداية القرن الماضي ونهاية الذي قبله، وازدادت حدتها عندما تراجع الدور البريطاني في المغرب لصالح فرنسا، قبل أن تزيح بريطانيا أنظارها عن المغرب، استعماريا، وتنظر إليه بمنظار الدولة الصديقة.
العلاقات بين المغرب وبريطانيا، تمتد إلى ما قبل عهد العلويين، وتقول بعض الإشارات إنها بدأت في عهد الدولة السعدية، عندما كان القصر في لندن يتودد إلى دولة السعديين للفوز بأحقية استيراد السكر المغربي إلى لندن واحتكاره بدل اقتسامه مع الدول الأوروبية الأخرى.
ما يهمنا الآن، هو كيف سخرت بريطانيا جيشا من الصحفيين والمستكشفين والكتاب، وآخرون جيشوا أنفسهم ولم يجيشهم أحد، وانتقلوا إلى المغرب، الذي كانت تكفي الكتابة عنه في صدر الصفحات الأولى للجرائد، وتناوله في الكتب المثيرة، لبيع جميع النسخ.
ليس في الأمر أي مبالغة، لأن أنظار البريطانيين خلال بداية القرن الماضي كانت موجهة إلى المغرب، واهتمام الحكام بالوصول إلى المغرب، انعكس على جميع فئات الشعب البريطاني، حتى أصبح المغرب بالنسبة لهم لغزا، يهمهم جدا أن يعرفوا عنه كل شيء.
بعد كل تلك السنوات.. رسالة عائلية صغيرة، تسربت من أرشيف عائلة «ونستون تشرشل»، رئيس الوزراء السابق، وأشهر زعيم سياسي في تاريخ بريطانيا، والذي توفي في يناير 1965 بعد حياة مليئة بالرحلات نحو المشرق، والمغرب. الرسالة كانت كافية لإعادة إحياء النقاش حول تأثر تشرشل بالمغرب وربما اعتناقه الإسلام، بعد تأثره غير العادي بأجواء مراكش، والصداقات التي نسجها مع المغاربة وبعض الرموز الدينية والسياسية من المشرق.
في هذا الملف، سنعيد تركيب أوراق أشهر الكتابات التي تناولت المغرب بكثير من المبالغات في غياب أدلة توثيقية حول ما عاشه الكُتّاب من مغامرات، وكيف صنع هؤلاء صورة عن المغرب، بقيت راسخة في أذهان البريطانيين إلى وقت قريب، قبل أن تغزو الصورة المشهد الإعلامي.
هل أسلم تشرشل قبل موته؟
نُشرت في الصحافة البريطانية، المتخصصة، مؤخرا، رسالة تعود إلى فترة حياة «ونستون تشرشل» وما بعد تقلده منصب رئيس الوزراء في بريطانيا.
الرسالة موقعة من أخت الزعيم السياسي الأكثر شهرة في إنجلترا، والذي صنف غير ما مرة كواحد من أكثر البريطانيين تأثيرا في الحياة العامة للبريطانيين والعالم، على مر العصور.
استجداء، ولغة تحمل من الخوف أكثر مما تحمل من لغة الرسائل.. والسبب أن أخت تشرشل كانت تخاف من أن تكون «إشاعة» إسلامه حقيقة.
كان البريطانيون، خصوصا خلال الأربعينات والخمسينات، يعلمون أن رئيس وزرائهم، وزعيم حزب المحافظين، ووزير دفاعهم سابقا، ومناصب سيادية أخرى، يربط علاقات وطيدة مع الشرق.. وله أصدقاء في الهند كما في السودان، لكن علاقته بالمغرب، وولعه الكبير بمراكش، أضافا توابل غير عادية على ما تداوله المقربون منه في ذلك التاريخ.
لم يتسرب الخبر إلى الصحافة وقتها، لكن تشرشل كان حديث صالونات بعض السياسيين. وحتى لو وصل الخبر إلى الصحافة فإن تشرشل كان معروفا بشخصية غير اعتيادية، برزت كثيرا خلال فترة الأربعينات عندما كان زعيما للمعارضة. لكنهم اكتفوا بالإشارة المبطنة إلى علاقته غير العادية مع كل ما هو شرقي و«مسلم»، خصوصا وأنه منح حوارات صحفية لصحافة بلاده وصحف أجنبية، عبر فيها، وبسخاء كبير، عن تأثره بالشرق، وإعجابه بالحضارة العربية والإسلامية، وصداقاته المتينة مع أبرز رجال الشرق.
مؤخرا فقط، وصلت رسالة الأخت إلى الصحافة البريطانية، بعد أن توفي أغلب الذين سمعوا بالأمر حينها واعتبروه «نميمة» صالونات. الرسالة تحمل تخوف الأخت بشكل واضح من أن تكون تلك الإشاعات صحيحة، لكنها كانت متحاملة جدا على تشرشل، وحملت في طياتها فقرات من «العداء» لكل ما هو شرقي، وإسلامي.
عندما خرجت الرسالة من الأرشيف، واطلع عليها بعض الباحثين، خلال الأشهر القليلة الماضية، طرحوا السؤال التالي: «هل أسلم تشرشل في آخر أيامه؟».
وحسب مقال لأحد الباحثين البريطانيين، نشرته وسائل إعلامية متخصصة في بريطانيا، خلال فبراير الأخير، فإن السؤال الذي طرحه هو وزملاؤه، يبقى مشروعا جدا أمام التخوف الذي بدا واضحا في رسالة أخت تشرشل، والتي ناشدته فيها بعدم التحمس لإعجابه الكبير بالمشرق والإسلام عموما. بل اعتبرت أن الكارثة ستكون حقيقية إن صح ما وصل إليها من أخبار بشأن تأثره الكبير بالإسلام.
المقال يقول إن أخت تشرشل ذكرته بما كان يكتب في الصحافة البريطانية من تقارير صحفية عن المستعمرات أو الدول التي كانت تسعى الدولة للهيمنة عليها، وجلها من الشرق، بالإضافة إلى المغرب أيضا.
فقبل فرض الحماية الفرنسية رسميا على المغرب سنة 1912، كانت البلاد محط أطماع بريطانيا، وتحول الأمر إلى علاقة واضحة عندما كثر الوافدون الدبلوماسيون من بريطانيا نحو المغرب. وخلال تلك الفترة روجت الصحافة البريطانية لكتابات كثيرة حول المغرب، مفادها أن البلاد تعيش تحت وطأة الفقر والتخلف وعدم الاستقرار السياسي والصراعات القبلية والأمراض المعدية، بشكل مبالغ فيه. أخت تشرشل كانت تحمل هذا التصور، وكان الأمر واضحا في رسالتها إلى أخيها، أبرز الزعماء السياسيين في تاريخ بريطانيا. فحتى منصبه وشخصيته، لم تشفعا له، ونال نصيبه من اللوم والتقريع الخفيف الذي بدا واضحا في الرسالة، وكأنها تلومه على «انجذابه» إلى سحر الشرق، والبوح بالأمر لوسائل الإعلام المحلية في بريطانيا والدولية أيضا.
كانت أخت تشرشل، تعلم أنه تعلق كثيرا بمراكش، وربط علاقة وطيدة مع الباشا الكلاوي. بالنسبة لها، وللكثيرات من سيدات المجتمع البريطاني، فإن الباشا الكلاوي لم يكن إلا ثريا من «الشرق»، يعيش مغامرات ألف ليلة وليلة ويملك الجاريات والخدم، ويعيش في قصر كبير محاطا داخله بالعبيد. هذه الصورة انتقلت إلى أذهان البريطانيين عن طريق السينما العالمية التي كانت بريطانيا قطبا لها خلال الأربعينات والخمسينات، لذلك سجل الكثيرون تخوفهم من التعرف عليه عندما دعاه تشرشل إلى زيارته في بريطانيا.
صورة، لتشرشل، في غرفة بأحد فنادق مراكش، ومعها مقال صغير أعطى فيه رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب المحافظين، تصريحا يُفهم منه أن مراكش من أفضل الأماكن التي سبق له زيارتها على الإطلاق. كانت كافية لتجر عليه الكثير من اللوم، على الدعاية «المجانية» التي يقوم بها لصالح المغرب، إلى الحد الذي وصلت معه توجيهه لدعوة للباشا الكلاوي لحضور زفاف الملكة إلزابيث، وهو الأمر الذي لباه الأخير بكثير من السرور، وأخذته الحماسة إلى حد تقديم الهدايا النفيسة إلى الملكة في حفل زواجها، وهو الأمر الذي لم تكن لتقبله واحدة من أعرق الملكيات في التاريخ، فكان أن رفضت هدية الباشا بشكل مباشر، وكلفت صديقه، تشرشل، بنقل الخبر إليه، وهو ما قام به الأخير مكرها، محاولا أن يشرح له بعض أسرار «البروتوكول» الملكي الصارم في بريطانيا، والذي ينص على قبول الهدايا الرمزية والثمينة في المناسبات وحفلات الزفاف، فقط إن كانت مقدمة من عائلة ملكية أخرى.
بالعودة إلى موضوع صورة المغرب عموما في الإعلام البريطاني، ففي سنوات العشرينات وحدها، من القرن الماضي، صدرت عشرات المؤلفات، التي لا تستند إلى أي صور توثيقية، للقاءات تحدث أصحابها عن الحصرية والمغامرة بأرواحهم من أجل عقدها، ولا يتوفرون على أي شيء يثبتها، ومع ذلك اعتُبرت أساسية في إصدار الكتاب، والترويج لوقائع قد تكون من نسج خيال كتابها.
أما أخت تشرشل، فقد كانت كغيرها من البريطانيين، واحدة من مستهلكي الكتب التي روجت قصصا كثيرة عن مغرب ما قبل الحماية وما بعدها أيضا، وهكذا فإنها تلقت خبر فرضية «إسلام» أخيها ونستون تشرشل، بكثير من الصدمة. فيما بعد بدا أن علاقة تشرشل بالمشرق وطيدة جدا، لأنه شد إليه الرحال بدل أن يكتفي بالقراءة عنه فقط.
طوي أمر الرسالة، عندما طوى الموت تشرشل. بكته بريطانيا، وأخفيت الرسالة عن الأنظار والعالم، ودُفن زعيم بريطانيا وأشهر سياسييها، «على مر العصور» كما يصفونه، في كنيسة، يناير 1965. وهو ما اعتبر تأكيدا على هوية تشرشل وولاءه لبريطانيا، كرد على ما راج عن تأثره بالشرق وتفضيله العيش فيه.
خروج الرسالة العائلية من الأرشيف، إلى أضواء الصحافة خلال الثلاثة أشهر الأخيرة، أعاد الجدل بخصوص شخصية رئيس الوزراء البريطاني، ومعها عاد الجدل حول صورة المغرب في بريطانيا.
المغرب أرض الجثث المتفحمة والكلاب المسعورة!
في عز الصراع حول المستعمرات بين فرنسا وألمانيا وبريطانيا، كانت الصحافة تعسى جاهدة إلى بعث مراسليها إلى الدول التي تسلط عليها الأضواء، للعودة بتقارير من هناك، تشكل مادة دسمة للقراءة يقبل عليها البريطانيون بنهم، لسد رمق الفضول الذي يتملكهم تجاه «المستعمرات» المستقبلية لبلادهم.
في أرشيف جريدة التايمز، يوجد عدد يحمل على صدر إحدى صفحاته عنوانا بارزا: «المغرب أرض الجثث المتفحمة والكلاب المسعورة». يعود لأحد الصحفيين الذين زعموا أنهم قطعوا المسافة بين طنجة وداخل المغرب بمشقة كبيرة لنقل تقرير عن الحالة الاجتماعية للمغاربة. المقال لم يكن مرفوقا بالصور، على الرغم من أن قواعد النشر وقتها كانت تسمح بإرفاق المقالات بالصور. هذا السؤال طرحه أحد الباحثين في لندن، عندما قام بمحاولة لجمع أرشيف رحلات المستكشفين، ليحدد دورهم، حسب التواريخ، في تقديم معلومات عن المستعمرات المستقبلية للدولة، وليس للرأي العام، الذي كانوا يبحثون عن تعاطفه ودعمه لاستعمار تلك الأراضي ولا شيء آخر.
بلغة يغلب عليها طابع الحكي، استرسل الصحفي في سرد تفاصيل عن رحلته ملثما في الزي المحلي، مخافة أن ينكشف أمره، على عهد المولى الحسن الأول، ليصف الطريق إلى العاصمة، بأنه محفوف بالمخاطر، والطريق إلى مراكش بأنه طريق نحو الموت، وفرص النجاة تبقى ضئيلة بالنسبة للمغاربة أيضا، لأن جنبات الطرق المنتشرة بين الجبال والغابات، كلها تحت سيطرة قطاع الطرق وزعماء القبائل. لكن الغريب أن الصحفي البريطاني نجا، ولم يتعرض لأي مكروه، ويقول إنه وصل إلى كل تلك المناطق.
في كتاب آخر هذه المرة، يحمل عنوان «مغرب البربر»، يحكي فيه صاحبه عن مغامراته بجنوب المغرب، وكيف أنه تعرض للاعتقال في طريقه إلى مراكش، قادما إليها من الجنوب، بعد أن ضل الطريق، ليتعرف على الأمازيغ، ليصفهم بالقبائل البدوية التي لا تعرف أي شيء عن الحضارة. أحكام الكتاب كانت قاسية في حق المغاربة. وحدها الطبيعة والجبال وطراوة المناخ وصفاء السماء، نالتا استحسان صاحب الكتاب، ليتسع المجال للصفحات الأخرى للتطرق لحياة البداوة والتأخر الصناعي والتخلف الاجتماعي.
تكرر أكثر من مرة، تحسر الكاتب على بعد المنطقة عن الحضارة البريطانية، وتخيل وضعية المكان وحال أهله، لو فازت بريطانيا بالإشراف على المغرب لتحويله إلى «مكان صالح للعيش» على حد قوله.
وحسب الدراسات التي تناولت هذه الكتب، فإن هذه العبارات تدخل في إطار «الملح» الضروري الذي يجب توفره في الكتابات الاستكشافية والرحلات الأولى إلى المغرب، لكسب تعاطف البريطانيين حتى يدعموا سياسة بلادهم في البحث عن مستعمرات جديدة.
أرض الخرافات والغيبيات.. والأمراض القاتلة
عالم اجتماع، توفرت له الفرصة للإطلاع على ما كتبه الفرنسي «إدمون دوتي»، وذهب بعيدا في إعادة تحليل كتابات إدمون الذي يعد واحدا من الفرنسيين الأوائل الذين وضعوا أقدامهم بالمغرب، قادما إليه من الجزائر، التي عمل بها أستاذا لفترة قبل أن يتجه في طريق الاستكشاف الجغرافي إلى المغرب بتحفيز من الحكومة الفرنسية التي كانت وقتها، نهاية 1880، قد بدأت في تصويب أنظارها تجاه المغرب، ودعمت كل من يرغب في استكشاف المغرب علميا.
اكتشف البريطانيون أن فرنسا سبقتهم إلى استكشاف المغرب من الوسط، فجاؤوا إليه من طنجة التي سرعان ما أصبحت منطقة دولية بأغلبية بريطانية وأقلية فرنسية وجنسيات أخرى. تقرير إدمون دوتي، سرعان ما أصبح مرجعا علميا لم يفوته البريطانيون أيضا، فور وصوله إليهم، ليحذوا الكثيرون حذو إدمون دوتي، ويتحدثوا عن الموارد الطبيعية لمناطق كثيرة، وكيف يمكن استغلالها في إطار استعماري، ثم ينتقلون إلى تصوير بؤس السكان وغرقهم في الأمراض والتخلف.
إلى درجة أن أحد البريطانيين كتب في تلك الفترة، عن المراحيض، وتخلف الخدمات الصحية في المغرب، ومشكل المياه الصالحة للشرب، في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا حديثة عهد بالصرف الصحي، ولا زال أبناؤها يتذكرون جيدا معاناتهم مع مياه الصرف قبل أن تشيد في لندن، أولى قنوات الصرف الصحي.
اعتبر هذا النوع من الكتابات، استمالة للرأي العام البريطاني، لتأييد سياسات الدولة، خصوصا وأن تلك السنوات شهدت معارضة كبيرة لتوجه المملكة البريطانية، وتوسعها الاستعماري، في مقابل تردي الأوضاع الاجتماعية للبريطانيين وارتفاع البطالة لديهم في فترة من الفترات.
المثير أن تلك الكتابات معتمدة الآن في التوثيق لمرحلة مهمة من تاريخ المغرب، وتتوفر كبريات المكتبات الجامعية على نسخ من تلك الكتابات النادرة، وتستعمل بعضها إلى اليوم في الأبحاث الجامعية التاريخية.
هذه الكتابات تناولت مسألة الوازع الديني لدى المغاربة، وجلها، إن لم نقل كلها، بما فيها تقارير إدمون دوتي، تناولت مسألة الاعتقاد لدى المغاربة، وخلصت إلى أن أجدادنا كانوا يؤمنون بالشعوذة ولعنات المشرفين على الزوايا، حتى أن بعض تلك الكتابات تطرقت لوصف دقيق لبعض الطقوس الدينية وطرحوا أسئلة كثيرة لتفسيرها والإلمام بدلالاتها.
المثير في الأمر، أن هؤلاء الكتّاب والباحثين، ربطوا بين تأخر المغرب مقارنة بأوروبا، وبين تلك المعتقدات الدينية التي كانت سائدة بكثرة في ذلك الوقت. وأغلبهم تحدثوا عن الأضرحة، وإيمان المغاربة، خصوصا من سكان البوادي القريبة من تلك الأضرحة، بأن شؤون الحياة بما في ذلك المحاصيل الزراعية، رهين بالتقرب من أصحابها ونيل بركتهم، رغم أنهم موتى.
الفضائح السياسية وغضب البريطانيين من معاهدة الحماية!
رغم أنهم استبشروا خيرا بابتعاد المولى عبد الحفيظ عن الألمان، إلا أن البريطانيين لاموه كثيرا على تواصله مع الفرنسيين، والنتيجة كانت كتابات ومقالات صحفية غاضبة عن المغرب، تصف وزراءه، الذين كانوا أصدقاء الأمس، بالمتخلفين وغير المتعلمين.
وقتها، أي بعد سنة 1912، بدأ الوجود البريطاني في المغرب، بالتراجع ليحصر في طنجة، بعد أن كانت أطماع البريطانيين تمتد للتعمق في المغرب، لينتهي كل شيء بفوز فرنسا بمعاهدة الحماية، والمفاوضات السرية التي تمت بين الفرنسيين والألمان والبريطانيين لتسجيل تنازل بريطانيا لصالح فرنسا.
لكن الأمر لم يكن حبيا كما اعتقد الكثيرون، لأن الصحافة البريطانية والكتب التي تناولت المغرب بعد ذلك التاريخ، كانت مغرقة في انتقاد كل ما هو مغربي، وتصوير الوزراء على أنهم أناس غير أكفاء، والحال أن بعض البريطانيين، وهم أقلية، أشاروا إلى أن المناصب السامية في المغرب كانت تمنح للعلماء الذين تلقوا تعليمهم في جامعة القرويين بفاس. وبعد معاهدة الحماية، انهالت الصحافة البريطانية، للتشكيك في أهلية المسؤولين المغاربة للمناصب التي يشغلونها.
قبل معاهدة الحماية بقليل، كان كل المسؤولين المغاربة الذين مالوا نحو الفرنسيين أو الألمان، ولم يتعاونوا مع القنصل البريطاني في المغرب، موضوع انتقاد لاذع في الصحافة البريطانية وكتابات المستكشفين البريطانيين.
رسمت بورتريهات قاتمة لهؤلاء، وجلهم من الفاسيين الذين ينتمون لعائلات عريقة في الحكم، وفي المناصب الكبيرة، ووصفوهم بأنهم غير متعلمين، والحال أن أغلبهم كانوا قد تخرجوا من جامعة القرويين ويحملون شهادة العالمية، خصوصا في صنف القضاة.
أما الوزراء، فقد زار أكثرهم بريطانيا وفرنسا ومثلوا المغرب في مهام دبلوماسية ومحافل، خصوصا في بريطانيا، وتحولوا إلى مصدر للتنكيت في الصحافة البريطانية، فيما بعد، وانتقدت طريقة لباسهم وعيشهم، وانبهارهم بالحياة في الغرب.
كل هذه الأمور كانت حملة على المسؤولين المغاربة والوزراء، بعد انكماش الدور البريطاني في المغرب. وحسب بعض التحليلات، فإن اللوم الذي طال تشرشل، كان بسبب علاقاته الوطيدة مع المغرب، خصوصا مع الباشا الكلاوي، خلال الأربعينات، وهو وقت متأخر جدا مع الوقت الذي بدأت فيه الصحافة البريطانية تتناول المغرب، بنوع من «الإثارة» منذ مطلع القرن الماضي.
عندما أراد المغرب الحصول على مطبعة ومنافسة مصر في مجال الصحافة!
قد تكون هناك مبالغات في الحكاية. لكن هذا ما نقله السيد لاورنس، صحفي جريدة التايمز، ومبعوثها الخاص إلى المغرب ما بين سنتي 1908 و1909. يقول إن المحيطين بالمولى عبد الحفيظ، ترجوه أن ينقل لهم ما يُنقل عن المغرب في بريطانيا بدافع الفضول. لكنه كان ماكرا كفاية ليقول لهم إن بريطانيا معجبة بالمغرب، والحقيقة كانت أن الصحافة البريطانية خلال نفس الفترة، كانت تكتب مقالات تُظهر المغرب دولة ضعيفة تحتاج إلى عون دولة عظمى كبريطانيا. في الوقت الذي نشر فيه مستكشفون آخرون كتبا عن مغامراتهم المجنونة داخل المغرب، وكيف أتيح لهم أن يلتقوا الوزراء والملوك، رغم أنهم لم يكونوا موظفين سامين ولا مبعوثين رسميين، وهو الأمر الذي يمس صورة المغرب في ذلك الوقت.
حكاية المطبعة بدأت عندما بدأ عبد الحفيظ، يستشرف ما يقع في الساحة العربية، وتصله أخبار عن تأزم الأوضاع بين المصريين والبريطانيين، واكتمل الأمر عندما أحضرت له نسخ من جريدة مصرية، باللغة العربية، تضم صورا لزعماء مصريين ومقالات نارية تنتقد السياسة البريطانية في البلاد.
كانت رغبة المولى عبد الحفيظ كبيرة في أن يمتلك هو الآخر جريدة مثل تلك التي جاءه بها أحد أصدقائه من مصر. فتوجه بالسؤال إلى مبعوث التايمز حول مستلزمات إصدار جريدة هنا في المغرب.
كانت المطبعة أولى التحديات، لكن الغلاف المالي الذي رصده القصر لإحضار المطبعة ذلل كل الصعاب، بل واقترح المولى عبد الحفيظ على مبعوث التايمز أن يتكلف بأمر إصدار الجريدة، مادام صحفيا، بمساعدة أحد المشرقيين الذي كان في زيارة إلى المغرب، وعرض على عبد الحفيظ نسخا من الجريدة المصرية.
لكن لاورنس، صارح المولى عبد الحفيظ بأن أمر إصدار جريدة ليس بالأمر السهل، وكتب في مذكراته أنه لم يشأ أن يُغضب الملك فصمت بدل أن يقول له إن ما يقع في المغرب لا يمكن أن يملأ جريدة يومية، يتطلب طبعها وتوزيعها إلى الخارج مدة طويلة أمام ضعف المواصلات، في فصل الشتاء وانقطاع الطرق بسبب الأمطار الغزيرة التي شهدتها البلاد.
كانت رغبة القصر وقتها، أن يؤثر إعلاميا في أوروبا، وأن تنشر الجريدة في بريطانيا، لكن لاورنس تساءل عن الجدوى من أن تصل جريدة مغربية إلى لندن، متأخرة بأيام كثيرة عن تاريخ صدورها، وهكذا طوي المشروع، حسب لاورنس، بعد أن نجح بصعوبة في إقناع المولى عبد الحفيظ بالتخلي عن الأمر.
هذه الشهادة التي نقلها «لاورنس» بنفسه، تصور المغرب من جديد كدولة تحتاج دعم البريطانيين.
«العبودية».. اللعنة التي لاحقت المغرب!
«المغرب الأسود».. يبقى واحدا من أحدث الكتب التي نشرت للتناول تاريخ المغرب بالتحليل. «السواد» الذي اتشح به عنوان الكتاب، يبقى عميق الدلالة، لأنه يتحدث عن العبودية في المغرب، كما أنه عبارة عن تقرير، لا يمكن أن يكون إلا متشحا بالسواد.
إلى جانب العبودية، التي رمز لها بالسواد في عنوان الكتاب، يتحدث الكاتب عن «العِرق» والانتماء إلى المنطقة وأصول الحضارة التي شيدت فوق أرض المغرب الأقصى، دون أن يغفل تأثير الإسلام على المنطقة منذ دخوله إليها.
لا شك أن صاحب الكتاب اعتمد مراجع أخرى في صياغة كتاب لم تمر على نشره، الآن، سنة كاملة.
فهو يتحدث عن فترة حكم السلطان مولاي اسماعيل، الذي توفي سنة 1727. والدراسة التاريخية التي يقدمها الكتاب، تنهل من مصادر كثيرة، من بينها ما كُتب عن المغرب خلال تلك الفترة.
«العبودية» كانت وحدها كلمة كافية لبيع جميع نسخ ما كتب عن المغرب مطلع القرن الماضي، خصوصا ما بين سنوات 1905 و1920. إذ كان يتم التسويق للمغرب في أغلب الكتاب، كواحد من الدول التي تئن تحت وطأة التعذيب واضطهاد اليهود، وهو ما لم يكن صحيحا، بشهادة كتابات معارضة، أراد أصحابها التدقيق في المعطيات التاريخية التي وصلتهم في عز الأزمة الاستعمارية والسباق مع الفرنسيين للهيمنة على المغرب، فخلصوا إلى أن تلك التقارير لم تكن تتمتع بكامل المصادقية في البحث العلمي، وطعنوا في روايات ومشاهدات كثيرة، لم يكن أصحابها يتوفرون على أي دليل مادي لما نقلوه من لقاءات حصرية نسبوها إلى السلاطين والملوك والوزراء وحتى الدبلوماسيين الذين يمثلون بلادهم في المغرب.
لم توضع تلك الدراسات جانبا، إلا بعد اختراع الكاميرا، لتنقل بريطانيا من جديد، بالصوت والصورة، أحداثا مهمة من تاريخ المغرب، والحصيلة كانت مئات الأشرطة المسجلة، أفرج عنها الأرشيف البريطاني مؤخرا، لتصبح الشهادات الأكثر مصداقية عن تاريخ المغرب، لأنها كانت موثقة بالصوت والصورة.
يقول المهتمون والباحثون، إن المادة المرئية والمسموعة، أكثر مصداقية، من المصادر التاريخية السابقة. لذلك تم اعتمادها في الأرشيف البريطاني، كواحدة من أهم العناصر العلمية التي توثق لعلاقة المغرب ببريطانيا خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي.
هل أسلم ونستون تشرشل؟ الجواب يبقى بعيدا عن التناول، لأن الرجل تحدث كثيرا إلى الإعلام، والذين عرفوه عن قرب قالوا إنه لم يكن يخشى البوح بمواقفه وآرائه مهما كانت مزلزلة للرأي العام. لا بد وأن خبرا كاعتناقه الإسلام، كان ليزلزل أرجاء الرأي العام البريطاني، خصوصا أمام الصورة النمطية التي كانت رائجة عن المغرب وقتها، والتي كان سببها عشرات السنوات من الكتابات التي قدمت حكايات عن مغرب لا يعلم عنه المغاربة أي شيء تقريبا.
0 التعليقات:
إرسال تعليق